سهيلة عبد الباعث الترجمان

643

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ويطلعنا الجيلي على حقيقة هذا الوجود المطلق وما ينطوي عليه من الحركة الدائمة وعدم السكون فيقول : " إن الوجود مبدأه على الحركة ، لم يمكن أن يكون فيه سكون ، لأنه لو يمكن أن يكون لعاد إلى أصله وهو العدم ، فلا يزال السفر أبدا في العالم العلوي والسفلي ، والحقائق الإلهية كذلك لا تزال في سفر غادية رائحة ، وقد جاء النزول الربّاني إلى سماء الدنيا ، وقد جاء الاستواء إلى السماء على ما يعطيه التنزيه ونفي المماثلة والتشبيه ، وأما العالم العلوي فلا تزال الأفلاك دائرة فيه بمن فيها لا تسكن . . . " « 1 » . ويعرض الجيلي لأنواع الحركة وأقسامها ومجالاتها التي تحدث فيها في كل دقيقة بالتغير والاستحالات في كل نفس ، وسفر الأفكار في كل محمود ومذموم ، وسفر الأنفاس في المتنفّس ، وسفر الأبصار في المبصرات يقظة ونوما ، وعبورها من عالم إلى عالم بالاعتبار ، هذا كله سفر بلا شك ، " فما ثمّ سكون أصلا ، بل الحركة دائمة في الدنيا ليلا ونهارا ، يتعاقبان كتعاقب الأفكار والحالات والهيئات بتعاقبها ، وتعاقب الحقائق الإلهية عليها ، فتارة تنزل على الاسم الإلهي الرحيم ، وتارة على الاسم التوّاب ، وتارة على الاسم الغفار ، وتارة على الرزاق ، وعلى الوهّاب ، وعلى المنتقم ، وكل اسم للحضرة الإلهية ، وهي أيضا تنزل عليك بما عندها من الوهب والرزق والانتقام والتوبة والرحمة والمغفرة ، فنزول منك عليها بالطلب ، ونزول منها عليك بالعطاء ، فإذا كان الأمر على هذا فيرجع العبد بفكره وينتظر في الفرقان بين السفر الذي كلّف أن يستعد له وفيه سعادته ، أعني في الاستعداد ، وهو السفر إليه ، والسفر فيه ، والسفر من عنده ، وهذه كلها أسفار مشروعة له " « 2 » . ونتيجة حركة الوجود المطلق - كما يرى الجيلي - خروج الذات الإلهية عن سذاجتها ، وبساطتها ، وتجردها ، وذلك لمعرفة نفسها ، فتخرج إلى ذات مدركة وعاقلة ، وتمر بمراحل ثلاث ، وهي أشبه شيء بالتطور الذاتي في طريق خروج الذات إلى مسرح الوجود الظاهر ، أو مسرج التجليات أو التعينات ، وأولى هذه المراحل هي

--> ( 1 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار ، ورقة 3 ، ص . ص أ - ب . ( 2 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار ، مخطوط ، ورقة 4 ، ص أ .